الشيخ محمد رشيد رضا
133
الوحي المحمدي
إنما كان العمل الصالح من لوازم الإيمان باللّه في الدرجة الأولى لأن من عرف اللّه تعالى عرف استحقاقه للحمد والشكر والعبادة والحب والتعظيم ، وهو من لوازم الإيمان بالجزاء على الأعمال في الدرجة الثانية خوفا من العقاب ورجاء في الثواب . فالأركان الثلاثة يمر بعضها بعضا بمقتضى هداية الأنبياء الموافقة للفطرة الإنسانية دون تقاليد الوثنية التي لا شأن فيها لعلم الإنسان ولا عمله في سعادته ، لأنّ مدارها على إيمانه بوجود الفادي الشفيع أو على إقراره به . وإن كان لا يعقله ، بل ينكره عقله ، وتأباه فطرته ، وقد أبطل القرآن عقيدة الفداء والشفاعة الوثنية في آيات عديدة . ويدخل في الأعمال الصالحة العبادات المفروضة التي يتقرب بها إلى اللّه تعالى ، سائر أعمال البر التي ترضيه بمالها من التأثير في صلاح البشر كبر الوالدين وصلة الرحم وإكرام اليتامى والمساكين . ومن أصوله الوصايا الجامعة في آيات سورة الإسراء وهي : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما « 1 » وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 ) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً ( 28 ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً « 2 » مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 ) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا ( 32 ) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ « 3 » إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 ) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا ( 34 ) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( 35 ) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( 36 ) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ
--> ( 1 ) كلمة ( أف ) على أقل التضجر ، والانتهار الإغلاظ في الإنكار ، والقول الكريم هو ألطف ما يقال وأدلة على الأدب والاحترام . ( 2 ) أي ملوما من الناس وفي حسرة من نفسك . ( 3 ) السلطان هو القصاص ، والإسراف فيه قتل من لم يثبت عليه القتل .